الشيخ محمد الصادقي

176

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

دون أبينا ، حيث المقام مقام استنهاض الرحمة الأبوية لهم دونه ، فإنه ليس معهم لا في رجعهم ولا في كل ذنبهم « فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ » كأوّل قالة لهم بعد السلام والإكرام جبرا للمفاجأة من فقده ، حجة لهم حاضرة علّها تقنع أباهم بفقده ، ولأنه ليس ليقبل هذه التهمة الوقحة لابنه الحبيب يحاولون تثبيت دعواهم بما حاولوا . أب مفجوع بابنه يوسف من قبل ، يفضى إليه بنبأ فظيع لابنه الثاني ، وأفظع من فقده ، فرية السرقة ، فليواجهوه في ذلك المشهد الرعيب الرهيب بحجة قيّمة تعذرهم ، وتسد كل منافذ ظنة الخيانة عنهم وقد فعلوا : « وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا » كأنه جواب عن أسؤلة مطوية كالتالية : لماذا شهدتم بحكم السارق في شرعتنا ليجعلوه مسكة في إمساكه ، ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا ؟ أو شهدتم بسرقته لديهم فأمسكوا ولدي أنا إمساكا عنكم ؟ والجواب : « وَما شَهِدْنا » بحكم شرعتنا « إِلَّا بِما عَلِمْنا » منه فلا محظور ، وإلا بما علمنا أنه لم يسرق ولذلك شهدنا ، و « إِلَّا بِما عَلِمْنا » انه سرق لوجود الصواع في رحله ، « وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ » ما كنا نحفظ غيب أنه سارق حتى لا نأخذه معنا ، أو لا نشهد بحكم السارق عندنا حفاظا عليه ، ولا للغيب المتخلف عن علمنا بأنه سرق لو أنه لم يسرق إذ لا نؤمر إلّا بما علمنا دون الغيب الذي جهلنا ، فقد كانت هذه الشهادات الثلاث « بِما عَلِمْنا » شهادة بالحكم ، وشهادة بالسرقة عندهم وأخرى عندك ، والعلم عاذر في الشهادات مهما تخلف عن الواقع إذ « ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ » . « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها » عن مسألتنا « وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها » وهم كلهم يشهدون لنا : « وَإِنَّا لَصادِقُونَ » حتما فيما نقول ونشهد . ولكن ذلك شهادة بحكم الشرعة بما علموا ، فكيف يشهدون بالسرقة